ابن كثير

337

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

لما فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر ، شرع في بيان الصبر والإرشاد والاستعانة بالصبر والصلاة ، فإن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكر عليها ، أو في نقمة فيصبر عليها كما جاء في الحديث « عجبا للمؤمن لا يقضي اللّه له قضاء إلا كان خيرا له : إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له » . وبين تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمل المصائب الصبر والصلاة كما تقدم في قوله : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [ البقرة : 45 ] ، وفي الحديث أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا حزبه أمر صلى ، والصبر صبران فصبر على ترك المحارم والمآثم وصبر على فعل الطاعات والقربات ، والثاني أكثر ثوابا لأنه المقصود . وأما الصبر الثالث وهو الصبر على المصائب والنوائب ، فذلك أيضا واجب كالاستغفار من المعايب ، كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الصبر في بابين : الصبر للّه بما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان ، والصبر للّه عما كره وإن نازعت إليه الأهواء ، فمن كان هكذا فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم إن شاء اللّه . وقال علي بن الحسين زين العابدين : إذا جمع اللّه الأولين والآخرين ينادي مناد ، أين الصابرون ليدخلوا الجنة قبل الحساب ؟ قال : فيقوم عنق « 1 » من الناس فتتلقاهم الملائكة فيقولون : إلى أين يا بني آدم ؟ فيقولون : إلى الجنة ، فيقولون : قبل الحساب ؟ قالوا : نعم ، قالوا : ومن أنتم ؟ قالوا : نحن الصابرون ، قالوا : وما كان صبركم ، قالوا : صبرنا على طاعة اللّه وصبرنا عن معصية اللّه حتى توفانا اللّه ، قالوا : أنتم كما قلتم ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين . ( قلت ) ويشهد لهذا قوله تعالى : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ الزمر : 10 ] وقال سعيد بن جبير : الصبر اعتراف العبد للّه بما أصاب منه ، واحتسابه عند اللّه رجاء ثوابه وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا يرى منه إلا الصبر . وقوله تعالى : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ ، يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون ، كما جاء في صحيح مسلم « 2 » : أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش ، فاطلع عليهم ربك إطلاعة ، فقال : ماذا تبغون ؟ فقالوا : يا ربنا وأي شيء نبغي ، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ؟ ثم عاد عليهم بمثل هذا فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا ، قالوا : نريد أن تردنا

--> ( 1 ) العنق ( بالتحريك ) : الطائفة من الناس . ( 2 ) صحيح مسلم ( إمارة حديث 121 ) . والحديث الذي يرويه ابن كثير هنا يختلف بلفظه كثيرا عما جاء في رواية مسلم . قارن أيضا بسنن الترمذي ( تفسير سورة 3 باب 19 )